انتظرت لحظاتٍ أدقق النظر قبل الإجابة، واستعدت ذلك الصوت الحاني وهو، يقول:
إذا أردت أحدًا تهمس إليه بآلامك؛ فأنا هنا، ويمكنك أن تؤمن أن هذا الهمس لن يسمعه أحدٌ آخر.
نظرت ولساني ينطلق بما عجزت عن البوح به ذات يوم ولو لنفسي، وعدت بذاكرتي أستعيد هذه الأمور التي أعجزتني.
كنا مجموعة مِن الأصدقاء، نكاد لا يغادر أحدنا الآخر، تجمعنا سويًا منذ كنا صغارًا، نلهو سويًا، ونلعب سويًا، مضى العمر بنا.
تخرجت في كلية العلوم، وتخرج سعيد في كلية الطب، وعلي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومحمود في كلية الحقوق.
أحبتت إحداهن حبًا جمًا، وكنت أتمنى أن تكون زوجةً لي؛ فاعترفت لها بحبي، لكنها كانت طموحة أكثر؛ فقالت لي: بلا حب بلا نيلة، هعمل إيه بحبك؟ شوف سعيد صاحبك فين وأنت فين.
صعقت مِن ردها؛ فقلت: هل تحبين سعيد؟
فقالت: لا، ولكن سأتزوجه.
هي الحياة دائمًا لا تمنح أحدًا ما يريد.
تذكرت والألم يعصرني يوم اعترفت لي إحداهن بحبها؛ فقلت له أني لا أحبها.
كسر القلوب لا يصدر صوتًا؛ لكنه يصدر ألمًا شديدًا.
تنهدت تنهيدة عميقة والدمع على وجهي؛ فسمعت ذلك الصوت الحاني: إذا عجزت عن المتابعة يكفيك ذلك.
فقلت: لا، سأكمل.
ذهبتُ إلى سعيد، وأخبرته أنها تحبه، وأنها أبلغتني فنهيتها عنه؛ لأنه قبيح، عرفت ذلك فيما بعد.
أحسست بتغيير طفيف مِن جانب الأصدقاء، لكني لم أعره انتباها، مضى الوقت وحضرنا عرس سعيد، وقلبي يعتصر ألمًا؛ لكني كنت سعيدًا لسعادة سعيد؛ فهو صديقي.
جاءني محمود، وقال لي: وقِّع على هذه الورقة.
فقلت: ما بها؟
قال: لا شيء، أحتاج إليه في عملي، ألا تثق بي؟
فقلت: وكيف لا أثق بك وأنت أخي؟
وقعت الورقة، وبعدها قال لي: علي، أن سعيد بالمشفى مريض؛ فلنذهب إليه.
أسرعت إلى هناك، وبعد وقت طويل أفقت وأنا بالمشفى.
حمدًا لله على سلامتك يا أستاذ.
تعجبت ماذا حدث؟ ولم أنا هنا؟ لا أتذكر سوى علي ومحمود فقط.
لم أنا هنا يا دكتور؟
حضرتك اتبرعت بكليتك.
في ذعر: لم يحدث، وَمن قال ذلك؟
قال لي: اقرأ هذه الورقة، أليس هذا توقيعك؟
في ذعر: نعم، ولكن..
تذكرت محمود والورقة، أيعقل باعني صديقي وعلي وسعيد؟ هل كانوا على علم؟!
خرجت مِن المشفى محطمًا أبحث عنهم، ولكن لا أثر لهم، تحطمت آمالي وحياتي، لم أعد أثق في أحد، باعوني وكنت لا أثق إلا فيهم، خرجت وأنا عاجز عن السير، أمضي بكرسي متحرك.
فجأة وأنا أمضي في الطريق، وجدتها تلك التي أحبتني تبدو بائسة مثلي، ناديت؛ فرأتني، وأسرعت بلهفة.
جلسنا معًا، وقصصت عليها ما حدث؛ فقالت إنها كانت تعرف بخيانتهم؛ فهذه الفتاة معروف عنها الجشع، والاستغلال، لكنها لم تشأ أن تخبرني عندما قلت لها أني لا أحبها هي، وأحب تلك الفتاة ومِن لهفتها عجبت لنفسي، كيف يترك أحدنا مَن يعشقه ويجري وراء السراب؟
مضى وقت قليل؛ فوجدتها تهون عليّ وتشجعني على استكمال الحياة، والنجاح، بدأت أنسى خيانتهم وأبدأ مشروعي، وبدأت أنجح وهي بجواري، ويزيد النجاح؛ بل وتحسنت، وعاد إليّ الأمل في السير، وساعدتني حتى رد الله على ساقي، واستطعت السير بداية مستندًا على عصا تساعدني، وظلت معي حتى أصبحت هى عصاي وسندي.
وبينما أوصلها لبيتها وهي تعبر الطريق، قلت لها بصوت عال: هل تقبلين الزواج بي؟
فالتفتت بلهفة وحاولت الإسراع عائدة، لكن تلك السيارة المسرعة طعنت قلبي مرة أخرى، صدمتها فأسرعت أضمها إلى صدري وأصرخ بمَن يأتيني بالطبيب؛ لكنها لفظت أنفاسها الأخيرة بين ذراعي.
لماذا تصر الحياة على قتلي مرارًا وتكرارًا؟
قتلني أصدقائي يومًا، وقتلت نفسي اليوم، قتلوني وقتلتها.
هل رأيت مَن هو أشد بؤسًا مني على هذه الأرض؟
رفعت رأسي لم أجدها، أيعقل كنت أحدث نفسي؟!
لم أجد إلا تلك الورقة مكتوب عليها:
لا تبحث عن السعادة بين البشر، ابحث عنها داخلك، لم تقتلها، قتلها غرورك أولًا، وغباؤك ثانيًا، وقتلتك الخيانة قبلها أيها الإنسان الشبح.
أصبحت شبحًا، ليس لي مِن صورة الإنسان إلا اللحم والعظام.
عن أي سعادةٍ أبحث؟ ألا يخترقني الموت سريعًا؛ فأستريح؟
يا موت زر
يا وقت مر
إن الحياة كريهة.
#الجزء_الثاني
#كتبها_رمضان_الجعفري