كنتُ دائمًا الشخص الأكثر حبًّا لكلِ من هم حولي، كنتُ الأكثر عطاءً، والأكثر ودًّا وحنانًا، لطالما كنتُ شخصًا لا يميل لكثرة الناس من حوله؛ بل كنتُ كتومًا مُتحفظًا على نفسي، أخشى الإقتراب، ولكن عندما كنتُ أجد مصدر طمأنينةٍ كنت أركض نحوه بكل لهفةٍ وحبٍّ، فقط يكفيني أن أشعر بأنني مرغوبة في هذا المكان؛ لأبدأ بمنح الحب والعطاء، الطمأنينة والحنان، التمسك والإحتواء، كنتُ دائمًا أشعر أن هذا واجبي، وأن هذا ما يجب أن أقدمه للشخص الذي إختارني رغم عتمتي؛ فيمِل هذا الذي منحته قلبي، وتثيره رغبةٌ في أخرى لا تمنَح، لا تعطِي، لا تكترث لأمره، ويبدأ في لومي على حبي، وعطائي، وإهتمامي، وأظل أنا أتمسك، وأغفر، وأُبرر، أحتوي أكثر، وأُلقي اللوم على نفسي في كل مرة، حتى يزداد ملله تجاه صدقي ووضوحي، يخبرني بكل الطرق أنه يريد أن يرحل، وأفهمها أنا "نريد أن نحاول"، حتى أفقد بلهفتي وتمسكي كل بريقي في عين هذا الذي آمنته على قلبي بعد كل تلك الطعنات، هذا الذي ظننته مصدر طمأنينةٍ منحني إياها الله؛ ليعوض خدوشي، ولكن لسوء الحظ، اتضح في النهاية أنه ما كان سوى درس قاسٍ، وأفهمُ أخيرًا أنه لا يريدني، وأنه يريد أن يرحل، وأنه لم يعد هذا الشخص، وأنه يود الآن أن يترك عتمتي ويذهب ليُعتم مكانًا آخر، وأبقى أنا وحيدة، أتسائل: ماذا كان ذنبي في تلك القصة؟ هل عيبي أنني قد أخرجتُ نفسي من تلك الحجرة المظلمة التي عشتُ بها سنواتٍ عدة؟ فأعود لها وأنا مهشمٌ أكثر من ذي قبل، أعود تائهًا وأسوء من أي شيء كنت عليه قبل هذا؛ لأجدها منتظرةً بلهفةٍ وحنينٍ، مستعدةً لاحتضاني في جميع الأوقات، أحب تلك الغرفة وأطمئن بها، ولكن في النهاية وأنا هنا على فراشي الآن هادئ البال ومطمئنٌ أن الألم لن يأتي طالما فارقتُ البشرية؛ فإنني أود أن أخبرك أمرًا، أنا أتألم من الوحدة.
*_وفاء طارق_*