وعند تجولي في البلدة، رأيت عجوزًا جلس بجانب الطريق؛ فاقتربت منه بخطواتٍ بطيئة إلى أن أصبحت بمسافةٍ قليلة منه، فرأيت في وجهه تجاعيد الزمان، وخريطة ترتسم على وجهه تخبرك عن مدى معاناته وعن المعارك التي قادها في حياته، تخبرك ابتسامته بعيونٍ لامعة أنه مازال لديه أمل للغد؛ فاقتربت منه وجلست بجانبه وقلت له: اخبرني لماذا تجلس هنا وحيدًا؟ أيمكن أن أساعدك في شيء؟!
فأخبرني: لا يا ابنتي؛ فأنا هنا بانتظار أحد من أبنائي، فهو يعمل هنا في ذلك المبنى على الجهة اليمنى.
فسألته: ولكن يا جدي هل ابنك هذا صغير في العمر؛ كي تنتظره؟ ولماذا لا تنتظره في المنزل؟
فأجابني: يا ابنتي ابني هذا لقد تركني من أجل زوجته وذهب لحيث حياته، وفراقنا منذ زمان بعيد، وأنا آتي إلى هنا كل يوم؛ كي أطمئن عليه وأراه.
ابتسمت والدموع في عيني؛ فأخبرته: ولكن يا جدي...
ولم أكمل كلامي إلي أن قال: لا يا فتاتي؛ فنحن الآباء لا ننسى أبناؤنا، وإذا مر الزمان سيظل ذلك الرجل الكبير هو الابن المدلل الصغير، ويجب أن تعلمي أن قلوب الآباء والأمهات تشبه الكون متسعة، والبحر بمائه يشبه كمية الحب لديهم، والآن يا ابنتي، شكرًا لجلوسك معي، عليّ الذهاب الآن؛ كي أطمئن والدته أنه بخير.
لقد تركني ورحل ذلك العجوز، ولكن من قصته تعلمت الكثير؛ لقد جعلني أشعر بكمية الحب في قلوب والداي؛ فاتجهت إلى منزلي، وعند قدومي إلى المنزل رأيت أمي هي من تفتح لي الباب؛ فأخذتها في عناقٍ عميق، وأخبرتها بأنني أحبها كثيرًا هي ووالدي، ومن اليوم لن أزعج أحدًا منهم أبدًا؛ فابتسمت أمي وقالت: ما بكِ! أراكِ سعيدة اليوم.
فأجبتها: لا شيء يا أمي، كل ما في الأمر أنني أود أن أعبر عن حبي لكم، ولن أفرقكم أبدًا؛ لأنكم ببساطة هوائي الذي أتنفسه.
وأنت أيضًا يا عزيزي القارئ، أتمنى أن تكون أخذت تلك الحكمة من العجوز مثلي.
ك / آية زغلول